صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
306
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
أما قريش فإنها يئست من تحقيق نصر حاسم ، وأجهد رجالها من طول المعركة ، ومن صمود المسلمين وجلدهم ، وخاصة بعد أن اطمأنوا وأنزل اللّه عليهم الأمنة والصمود فالتفوا حول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولذلك فقد كفّوا عن مطاردة المسلمين وعن محاولة اختراق قوتهم « 1 » . ولم يملك أبو سفيان إلّا أن يأمر بالانسحاب باتجاه مكة بعد أن توعد المسلمين بحرب أخرى في السنة القادمة فوافق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك « 2 » . وقد ثبت أن أبا سفيان خاطب المسلمين من بعد فقال : أفي القوم محمد ؟ » ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تجيبوه » ، فقال : « أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ » ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تجيبوه » ، فقال : « أفي القوم ابن الخطّاب ؟ » ، ثم قال : « إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا » . فلم يملك عمر نفسه فقال : « كذبت يا عدو اللّه أبقى اللّه عليك ما يخزيك » . قال أبو سفيان : « أعل هبل » . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أجيبوه » . قالوا : « ما نقول ؟ » . قال : « قولوا : اللّه أعلى وأجلّ » . قال أبو سفيان : « لنا العزّى ولا عزّى لكم » . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أجيبوه » . قالوا : « ما نقول ؟ » . قال : « قولوا : اللّه مولانا ولا مولى لكم » . قال أبو سفيان : « يوم بيوم والحرب سجال . وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني » . قال عمر : « لا سواء قتلانا إلى الجنة وقتلاكم إلى النار » « 3 » . والواقع فأن السكوت عن استفسارات أبي سفيان وعدم إجابتها بأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنما كانت تصغيرا لشأنه واحتقارا لكفره ، فلما انتشى وملأ الكبر قلبه ، بادر المسلمون إلى إخباره بحقيقة الأمر وردوا عليه بكل إيمان وشجاعة . انسحبت قريش من أرض المعركة ، وامتطت إبلها مكتفية بما حققت من نصر مكّنها من الانتقام ، ودون أن تتطلع إلى نصر حاسم ضد المسلمين المعتصمين في شعاب أحد ، بغية القضاء عليهم أو إلى غزو قاعدتهم المدينة « 4 » . وبعد أن غادرت قريش ، أمر الرسول بدفن شهداء المسلمين وكانوا سبعين شهيدا « 5 » ، ولم يؤسر أحد من المسلمين ، في حين بلغ عدد قتلى قريش اثنين وعشرين رجلا « 6 » . جمع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بين الرجلين من الشهداء في ثوب واحد ، وقدم عند الدفن أحفظهم لكتاب اللّه ، وأمر أن يدفنوا في دمائهم فلم يغسلوا ولم يصلّ عليهم وقال : « أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة » . ودفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد ، وأمر أن يدفنوا حيث صرعوا « 7 » . وقد جمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه بعد دفن الشهداء وجعلهم صفّا وأثنى على ربه ودعاه أن يمنحهم نعيم الدنيا وحسن ثواب الآخرة وأن يقتل الكفرة المكذبين « 8 » .
--> ( 1 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 2 / 349 ) ، أحمد - المسند 4 / 211 ، 6 / 181 . ( 2 ) ابن هشام - السيرة 3 / 49 ، الواقدي - المغازي 1 / 297 . ( 3 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 349 ) ، أحمد - المسند 4 / 211 ، 6 / 181 بإسناد حسن . ( 4 ) ابن هشام - السيرة النبوية 3 / 136 - 137 ، الواقدي - المغازي 1 / 298 ، البيهقي - دلائل النبوة 3 / 282 . ( 5 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري - حديث 4043 ) ، ابن هشام - السيرة 3 / 179 ، الواقدي - المغازي 1 / 200 . ( 6 ) ابن هشام - السيرة 3 / 182 ، الواقدي - المغازي 1 / 307 ، أما عند ابن سعد - ( الطبقات 2 / 42 ) فإن عددهم ثلاثة وعشرون . ( 7 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 3 / 209 - حديث 4079 ) ، أبو داود - السنن 2 / 174 . ( 8 ) أحمد - المسند 3 / 424 ، الحاكم - المستدرك 3 / 23 .